القمة الإسلامية وبيع الأوهام

القمة الثالثة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي اختتمت أعمالها يوم الجمعة الماضي في مدينة إسطنبول التركية بعد يومين من المداولات التي أجريت تحت شعار "الوحدة والتضامن من أجل العدالة والسلام"، إلا أن أصداءها لم تنته بعد، وسط تحليلات منشورة في وسائل الإعلام التركية يغلب عليها تفاؤل مبالغ فيه بسبب انتقال رئاسة المنظمة إلى تركيا. وسبقت هذه القمةَ زيارةُ العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز للعاصمة التركية أنقرة بعد زيارته للقاهرة، ولفتت مشاركته في افتتاح القمة الأنظار إلى إسطنبول، في ظل حفاوة كبيرة أبداها المسؤولون الأتراك في استقبال الملك سلمان سواء في أنقرة أم إسطنبول.

البيان الختامي لقمة إسطنبول أدان التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، ودعا إلى نبذ الأجندات الطائفية والمذهبية، محذرا من آثارها السلبية. وهذه الإدانة هي التي برزت أكثر في النشرات الإخبارية من بين ما تضمنه البيان الختامي، بسبب التوتر الذي تشهده علاقات بعض الدول الأعضاء في المنظمة مع إيران.

وسائل الإعلام التركية تناولت جميع الرسائل والدعوات والانتقادات التي تضمنتها كلمات رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان بشكل واسع، مثل دعوته إلى حل المشاكل من خلال المفاوضات بين دول المنطقة دون أن يفسح المجال لتدخل دول أخرى من خارج المنطقة، وإشارته إلى ضرورة إصلاح الأمم المتحدة على ضوء التغيرات التي حصلت في الخريطة العرقية والدينية.

التحليلات المنشورة في وسائل الإعلام التركية، سواء حول قمة إسطنبول ونتائجها أم زيارة العاهل السعودي إلى أنقرة والتقارب التركي السعودي، معظمها مبنية على قراءة متفائلة بعيدة عن الواقعية لدرجة تصل في بعض الأحيان إلى مستوى الوهم والخيال. وذهب بعضهم إلى أن التحالف الإسلامي العسكري الذي يطلقون عليه في تركيا "الجيش الإسلامي" سيشكل قوة عسكرية هائلة تنافس حلف الشمال الأطلسي، مع أن مقارنة بسيطة بين الدول المشاركة في التحالف الإسلامي العسكري الذي أعلن تشكيله نجل العاهل السعودي الأمير محمد بن سلمان في أواخر العام الماضي والدول الأعضاء في حلف الشمال الأطلسي "الناتو" تخبرك أنه لا مجال على الإطلاق للتنافس بين القوتين. 

هناك علامات استفهام كثيرة حول أهداف التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، ولم يتضح حتى اللحظة أي عدو سيحاربه. لا أحد يدري هل هو سيحارب إيران أم سيحارب تنظيم داعش الإرهابي؟ كما أن استخدام القوة العسكرية بحاجة إلى قرار سياسي، ومن الصعب أن نقول إن الدول المشاركة في التحالف تملك قدرة سياسية على اتخاذ قرار كبير بحجم شن الحرب أو التدخل العسكري دون موافقة المجتمع الدولي، بالإضافة إلى أن الدول الأعضاء في التحالف الجديد لم تشارك حتى الآن إلا في مناورة عسكرية فقط، ومن المعلوم أن الحرب تختلف عن المناورات الاستعراضية، وقد تمتنع بعض هذه الدول من المشاركة بجنودها في أي حرب محتملة، كما امتنعت باكستان من المشاركة في عاصفة الحزب على الرغم من تأييدها السياسي لها. وبالتالي، فإن مجرد التفكير في تنافس بين التحالف الإسلامي العسكري وحلف الشمال الأطلسي الذي يعدّ ثلاثة من أعضائه أعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي، ضرب من الخيال.

الغريب في الأمر أن السعوديين يعتقدون بأن المملكة هي أصل الشجرة وبقية الدول الإسلامية أغصانها وأنها جمعت جيوش كل هذه الدول في التحالف الإسلامي العسكري تحت قيادتها، في الوقت الذي يعتقد فيه بعض الأتراك أن تركيا هي التي أسست "الجيش الإسلامي" بالتعاون مع السعودية وأنها سوف توحِّد العالم الإسلامي خلال رئاستها لمنظمة التعاون الإسلامي.

التعاون والتضامن والوحدة وتعزيز العلاقات بين الدول الإسلامية أمور محمودة تسر كل مسلم، ولكن العالم الإسلامي ليس بحاجة لشعارات فارغة ولا لمناورات استعراضية ولا لبيع الأوهام، بل بحاجة ماسة إلى التحرر من الدكتاتورية والعبودية والاستبداد، وبحاجة إلى دعم الشعوب المتعطشة للحرية والكرامة في نضالها من أجل الحصول على حقها في المشاركة في صنع القرار وبناء الأوطان.