التطرف :الجذور والدوافع (ح1)/ موسى سيدي ابياه

تشعل لوثة التطرف التي تجتاح المنطقة العربية من المعارك الفكرية أكثر مما أشعلت من المعارك المسلحة وقد ذهب معظم رجال السياسة والفكر في الغرب باتجاه ربط حالة التطرف الديني هذه بالإسلام نفسه من خلال اتهامه بأنه يحرض أتباعه على التطرف وممارسة العنف والإرهاب معتمدين في ذلك على شعارات المتطرفين الدينية

 وعلى مانشاهده من صمود تنظيماتهم وانتشارها مما يشي بوجود حاضنة شعبية تؤمن بهذ الفكر وتؤمن له الدعم والاستمرار أما نحن فقد أصبحنا محشورين بين مطرقة الهجوم الواسع على الإسلام من قبل بعض الدوائر الغربية وسندان الفظاعات التي يرتكبها المتطرفون باسم الإسلام في مشهد بدا فيه الطرفان من حيث النتيجة (تشويه الإسلام) أقرب إلى الاتفاق من الاختلاف.
والحق أن التطرف والتعصب الديني ليست له جذور في الإسلام كدين لكن جذوره راسخة ومتينة في ثقافتنا المتوارثة وفي فهم خاطئ ابتدعه بعضنا للدين وفي واقعنا الاقتصادي والاجتماعي المعيش وهذا مايعجز الغربيون عن فهمه ونحجم نحن في الغالب عن الاعتراف به   
أن الحمم التي يقذف بها بركان التطرف تكاد تذيب الأمة وتزيلها من الوجود بينما أشعلت شظاياها المتطايرة حرائقها في مختلف أصقاع الأرض وفي العراق وسوريا وليبيا فاجأ الإرهاب بقوته واندفاعه الجميع وأسقطت كل الحسابات وخلط جميع الأوراق ودخل بقوة على الخط في مصر وتونس واليمن وكاد أن يبتلع الجار المالي وهو في طريقه أوبالمرصاد لكل بلدان المنطقة متى وقعت هزة قي بلد ما خرج من بين الأنقاض وأخرج الأمور عن السيطرة
لقد اختبرنا في موريتانيا هذ الإرهاب الذي ضرب في لمغيطي والغلاوية وألاك وانواكشوط ومازلنا مؤهلين لتجرعه بل ربما نكون الأكثر أهلية للوقوع في حبائله رغم الهدوء الظاهر الذي يصاحب الحل الأمني والعسكري الذي أثبتت التجارب فشله فالدول العربية والغربية لم يعزها الخيار الأمني في يوم من الأيام ومع ذلك استطاعت الجماعات الارهابية اختراقها بكل سهولة
إن الرايات السود ترفرف في كل المنطقة فهل نحن جاهزون للمواجهة وهل نحن قادرون على ابتكار حلول ومقاربات تنموية وفكرية تنتشل الأجيال الجديدة وتبعدنا عن دائرة الخطر إن الفهم الصحيح لهذه الظاهرة هو البداية الصحيحة للتصدي لها وهذا ما سأسعى إليه في هذا المقال .
نحو فهم أفضل للتطرف
لقد أكدت الأحداث الدائرة في البلاد العربية أن المنطقة تمثل خزانا "للتطرف الديني" المقرون بالكثير من "العنف" الممارس من قبل جماعات وتنظيمات إرهابية غير راضية عن كل ماحواه عصرنا من "فجور" ولاتقبل بالآخر "الضال" أو الكافر وتؤمن بأن "هداية وإنقاذ" العالم تستوجب تدمير كل ماهو قائم من "بدع وشناعات" لتقوم على أنقاضها "دولة الخلافة الإسلامية " تقيمها "الفرقة الناجية" فتظل ظاهرة على الحق "لايضرها من حالفها" يتولى أمرها "خليفة" المسلمين الراشد وولي نعمتهم تختاره جماعة "الحل والعقد" فلايخرج عن طاعته إلا "زائغ" إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
وهنا يجب علينا التحلي بالشجاعة من أجل الإعتراف بأن هذه المصطلحات تدغدغ مشاعر عامة المسلمين الذين لم يستطيعوا "تحيينها" نتيجة لإخفاق برامج التربية والتعليم وقصور وتقصير هيئات الإرشاد والإفتاء الرسمية وغيراالرسمية واشتغال المثقفين بمعاركهم الجانبية وخوف المفكرين من الخوض في كل مايمت بصلة إلى التراث الديني وقد زاد من ارتباط الناس بهذا المعجم ورمزيته التاريخية حاجتهم إلى الهروب من الواقع المذل وما يعيشون في كنفه من قهر الأنظمة وفسادها وتآمر الغرب المساند لها وما نجم عن ذلك من استشراء البطالة و الفقر والجوع والجهل والمرض
لقد شاع استعمال كلمة التطرف وأخواتها  ( التعصب والتشدد والتزمت ) في الإعلام وفي الحقل السياسي للتعبير عن حالة أوموقف انفعالي يجعل الفرد يرفض المنظومة الفكرية والقيمية لمجتمعه وكثيرا ما يتحول هذا الرفض إلى كراهية لكل ماعليه الناس من عادات ودين  حيث تبدأ الحكاية بإظهارالتدين بصورة عامة وهي مسألة يحبذها المجتمع ويعلي من شأن أهلها إلا أن المتطرفين يأحذون أنفسهم كما يأخذون غيرهم بالشدة في خط متصاعد يتجاوز الحد المقبول وينتهي بالتمرد واعتزال المجتمع ومايعيشه من "جاهلية" عمياء تفرض على "المؤمن الصادق الإيمان" محاربتها والقضاء عليها متى آنس من نفسه القدرة على ذلك
وحين يتعرف الأخ "المتطرف " مباشرة أوعن طريق الشبكة العنكبوتية إلى أخيه في الله (متطرف آخر) أومجموعة من الإخوة "الموفقين بإذن الله" (المتطرفين) يشاركونه نظرته السلبية للمجتمع وشعوره الزائد بالتفوق والتوفيق وبدونية الغير وضلاله تبدأ صداقة تجمع أصحابها الرغبة في "تقويم ماعوج" من أمر الدين وفي " إصلاح وإنقاذ الأمة" و"الانتقام للدين" من أعدائه ومن والاهم من الحكام "الفجرة" وينتاب الجماعة شعور طافح بأنهم من اختارتهم العناية الإلهية لتنفيذ المهمة المقدسة وتبليغ الرسالة لذلك يجتهدون في أداء ما يرونه أمانة فينتقلون بسرعة من طور الإنزواء واعتزال "المجتمع الجاهلي" إلى طور مواجهة "البدع" والممارسات "الوثنية" بكل شراسة وعنف وكثيرا ما يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نقطة البداية في عملهم الجماعي حيث يمارسه المتطرفون وفق مذهبهم المتشدد الذي يسقط مبدأ التدرج في التأثيم كما يسقط التدرج في وسائل تغيير المنكر فتراهم يكفرون بحلق اللحى والسفور والرقص والموسيقى وشرب الخمر وبالاختلاف معهم في المنهج كحال أهل التصوف والتشيع وأتباع العقيدة الأشعرية
وحين تبلغ عقدة الأنا ذروتها وتتكون شبكة من المتطرفين الغلاة في فهم تعاليم الدين والمتشددين في تفسير وتأويل النصوص تحصل عملية انزياح في سلوكهم الفردي والجماعي فيصبحون أكثر عنفا وعدوانية ويقرنون أقوالهم بالأفعال وهنا نصل إلى مرحلة الإرهاب التي تعني مزج التطرف بالعنف وعندها ربما ينهون عن "المناكر" السابقة الذكر بعملية "استشهادية"
إن الشعور المتزايد بدونية "الآخر" وسفاهته مقابل تفوق "الأنا" ورشده يؤدي بالمتطرفين إلى رفض التعايش مع "أهل الضلال" ورفض التحاور معهم إلا أن يكون بلغة القوة والغلبة وكل تنظيم متطرف يعتقد أنه من يمثل "أهل السنة والجماعة" أما فكره الجامد فإنه صالح بصورته تلك لكل زمان ومكان وهو مصدر المعرفة اليقينية الأوحد لايحتاج إلى دليل وغير قابل للنقاش وغيره بدعة "وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"
وكل مسلم لايبايع الجماعة و"لايدين بدينها" ولايتبنى أساليبها الدعوية "تارك لدينه مفارق للجماعة" مما يبيح دمه وعرضه وماله ويعتبر مواليا "لمن حاد الله ورسوله" والحكم عليه واضح (ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) أماالجماعة فمحصنة ومعصومة لاياتيها الباطل من بين يديها ولامن خلفها ومن هنا تبدأ حكاية لانهاية لها من توظيف وتأويل النصوص بما يخدم أهداف (المجاهدين في سبيل لله) الذين يعتبر الانتماء لهم الطريق الوحيد لجنة عرضها السماوات والارض
في مثل هذه الأجواء وتحت هذه العناوين وبتلك الدوافع والوسائل يصبح فهم وتأويل الكتاب والسنة من اختصاص "جماعة الحل والعقد" بقيادة أمير المؤمنين فهم " الأحق بها وأهلها" وهم من يملكون الحق في توظيف الأصلين من كتاب وسنة لخدمة الهدف النبيل فلا فقه عندها إلا فقههم السلفي االمتزمت ولا جهاد إلا جهادهم الذي لايميز بين طفل ورجل ولابين مسجد وسواق وساحة قتال
ومن المؤكد أن الجماعة ستباشر التبشير والتمكين للفكر الإقصائي العدواني المنغلق وسيخرجون علينا بالكثير من الفتاوي المتشنجة التي تبيح القتل وتنشر الكراهية وتعادي الآخر وستنتشر حتما مفاهيم دينية اختزالية فخزينة الدولة ستعتمد على الجزية والفديات التي تؤخذ من الأسرا (المختطفون) مع الغياب الكامل لأي تصور اقتصادي حقيقي يستطيع النهوض بالأمة حتى تلحق بركب التطور
والسنة عندهم مدفع رشاش ولحية كثة وأربع زوجات وإن مع جهل بالدين والدنيا وهنا لانلمس في أدبيات المتطرفين أي أثر لمفهوم السنة المعبر عن الرحمة والرفق وفعل الخير وكف الأذى وبذل الندى وإفشاء السلام والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن
والجنة في عرف المسلمين هي النعيم المقيم أعدها الرحمن للمحسنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات ووصفها بأن "لالغو فيها ولاتاثيما" وقال عن أهلها "وتحيتهم فيها سلام" أما في شرعة التطرف فإنها جائزة للقتل والعدوان يتلخص أمرها بحسب ما نراه ونسمعه من خطابهم فيما حوته قصورها من الحور العين
ذلك هو التطرف وتلك هي حقيقته لكن ماهي الأسباب التي تدفع بشبابنا إلى اعتناق هذا الفكر ولماذ انتشر في صفوفهم كما تنتشر النار في الهشيم
الحلقة الثانية
أسباب التطرف
يصعب حصر الأسباب التي تؤدي بشبابنا إلى اعتناق الفكر المتطرف ومع ذلك فإن المتتبع لهذه الظاهرة يستطيع أن ينسبها إلى جملة من الأسباب التراكمية التي تغطي كل مناحي الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية .
الأسباب الفكرية
أولا : الجمود الفقهي والعزوف عن الاجتهاد فقد عرف الفكر الإسلامي حالة من الشلل وغياب الإبداع والتجديد منذ انقضاء القرون الثلاثة الأولى وأصبح قياس ماستجد من النوازل على ماكان منها قبل أكثر من عشرة قرون أولى من الاجتهاد لنوازل العصر اجتهادا يناسب الواقع ويراعي إكراهاته ولا يخرج عن أمهات القواعد الفقهية والمقاصد الشرعية وبات التعصب المذهبي الخيار الأثير فانكفأ أهل كل مذهب على أنفسهم واشتغلوا بالدفاع عن اختياراتهم الفقهية وبشرح أوتلخيص ماسطره أئمتهم ومنذ ذلك التاريخ والمسلمون أسرى للتعصب المذهبي يجترون تفريعاتهم وهوامشهم دون أن يضيفوا إلى اجتهادات الأولين التي خدمت الأمة في عصرها إضافات جوهرية 
ولاشك في أن هذا التعصب المذهبي الذي يجعل أصحاب كل مذهب يعتقدون أنه الصواب وغيره خطأ هو الأب الشرعي لهذا التعصب الذي يبديه المتطرفون اليوم لأطروحاتهم المتزمتة والفرق الوحيد هو أن المتعصبين ذهبوا بعيدا في تقديسهم لمذهبهم إذ يعتبرون غيره كفرا وإن أسلم أهله وأحسنوا
كما أدى التعصب المذهبي والسيطرة المطلقة لعلم الفروع وفروع الفروع إلى تغييب الوجه الإيجابي للفقه المتمثل في التنوع ولاختلاف وتعدد الخيارات الصائبة ومنحت هذه التفريعات الفقهية صفة الاستمرار الزماني والمكاني وهو مالاينبغي أن يمنح لغير الكتاب والسنة فتعصب أهل المذاهب لتفريعاتهم وقدموها على الأصول والقواعد الكلية بما فيها المقاصد التي تحفظ القيم المطلقة في الإسلام من عدل وحرية وتسامح ورفق وسلام وتيسير على الناس وجلب للمصالح ودرء للمفاسد ورفض للظلم وعون للضعيف وحفظ للدين والنفس والمال والعرض والعقل وغير ذلك من القيم الفردية والجماعية التي مجدها الإسلام قبل أن تحيلها التجارب الإنسانية إلى قيم كونية
وقد نجم عن تهميش دور المقاصد الشرعية وماحوته من القيم الكونية في التنظير الفقهي وفي تحقيق مناط الأحكام المستجدة انحسار دورها في الثقافة والحياة العامة ومن البديهي أن هذه القيم هي الحامل الحقيقي لثقافة التعايش بين المسلمين أنفسهم وبينهم وبين الغير
نلاحظ هنا أن الثقافة العربية الإسلامية في عصورها الأولى قامت على التنوع والحرية فهاهي تحتضن الحركة الشعوبية التي سخرت من ثوابتها القومية والدينية حيث استخدم العرب المسلمون ذائقتهم الشعرية والجمالية لجعل التراث الشعوبي جزءا أصيلا وجميلا من الثقافة العربية تستمتع الأجيال بحفظه وإنشاده إلى اليوم ولم يضرها شيئا مضمونه المناوئ لما تحمله من قيم
لكنها انكفأت بعد ذلك على نفسها وتشظت وشيطنت كل طائفة غيرها وحكمت بردته وخطأ أهل المذاهب في الطائفة الواحدة بعضهم بعضا وتعصبوا لمذاهبهم وانقسم كل مذهب إلى مدارس تتنافس مع بعضها على حمل راية المذهب وظلت كرة التقسيم تتدحرج نحو القاع حتى وصلنا لما نحن عليه من طائفية وتطرف وتكفير
ثانيا : تدني مستويات خريجي كليات ومعاهد الشريعة وأئمة المساجد وانتهازية بعض المحسوبين على العلم والفقه وتشدد الفقهاء البعيدين عن السلطة وانتشار التطرف المضاد الذي يمارسه الملحدون باسم العلمانية و أفلام العنف التي تعرضها التلفزيونات والتغطية الإعلامية للحروب وما تؤدي إليه من تعايش الأطفال والمراهقين مع العنف إن هذه النقاط جميعها ذات تأثير بالغ على ماتشهده الساحة العربية والإسلامية من تطرف وعنف فقد درجت السياسات التعليمية الرسمية على توجيه غالبية الطلاب الأذكياء إلى التخصصات الهندسية والفنية أما متوسطوا الذكاء فيتوجهون إلى الطب والعلوم وتكون البقية من نصيب العلوم الإنسانية التي تأتي العلوم الشرعية في نهايتها مع كامل الأسف على الرغم مما لها من أهمية في توجيه وقيادة مجتمعاتنا ولاشك في أن الهواية والموهبة وتوجيهات الأسرة تلعب دورا في توجيه بعض الأذكياء إلى التخصصات الشرعية وربما اكتسب البعض موهبة أوخبرة وذكاءا بعد التوجيه لكن كل ذلك لايغير من حقيقة أن تلك هي آلية الفرز المتبعة في توجيه الطلبة وهي آلية ينجم عنها تخرج أعداد كبيرة من الطلاب من كليات ومعاهد غير مؤهلة أصلا لتكوينهم حتى ولوكانو فائقي الذكاء وهكذا تنتقل قيادة المجتمع دينيا إلى أجيال عاجزة وفاشلة وتكون النتيجة في أحسن الأحوال تخرج أفواج هائلة من حملة الشهادات في العلوم الشرعية ممن لايصلحون لهذه المهمة 
المشكلة ذاتها تتكرر مع أئمة المساجد فغالبيتهم من غير المؤهلين للافتاء والخطابة يكررون على منابرهم كلاما مسجوعا وأحاديث ضعيفة وأخرى موضوعة ويروجون للخرافات وليست لهم دراية بأولويات المجتمع لذلك يتحدثون عن مناقير الطيور في الجنة أكثر مما يتحدثون عن عدل الإسلام وعن المشاكل اليومية للناس
أما الذين أخذوا نصيبا من العلم فإن عددا غير قليل منهم جعل علمه وقفا على الأنظمة يميل حيث مالت مما أفقد الناس الثقة بهم فيما عمد البعض ممن تورع عن مخالطة السلطة إلى التشدد في الفتيى فضيقوا على المسلمين واسعا وقل أن يكون في الفريقين من جمع مع علمه بالشرع تخصصا حديثا وظلوا جميعا يحملون عقدة الخوف من ركوب لجة الاجتهاد فكانت فتاويهم تكرارا للفتاوي المذهبية التي صدرت في ظروف مغايرة قبل أكثر من عشر قرون مما أوقع الناس في ورطة فلاهم قادرون على مخالفة الأحكام ولا هذه الأحكام أوالاستمارات المعمول بها منذ القدم صالحة ومصلحة لحال الناس اليوم
وتأتي مشكلة أعداء التدين والدين فتزيد من عوامل إذكاء التطرف فشغل هؤلاء الشاغل هو الاستهزاء بالمقدسات والتشجيع على الخروج من ربقة الدين مما يولد ردة فعل مضادة عند الكثيرين وتلعب التلفزيونات وماتبثه من تغطية للحروب والعمليات الانتحارية والأفلام المليئة بمشاهد العنف دورا كبيرا ومكملا لدور الأينترنت التي تعتبر منبر المتطرفين الأول ووسيلتهم الأبرز لتجنيد الشباب ومن البديهي أن فرصة المتطرفين ستكون أكبر في مجتمع هذا حال علمائه وخريجي كلياته ومعاهده الشرعية وأئمة مساجده خاصة إذا ما ظل الملاحدة يسهزؤون بالدين مسهلين مهمة دعاة التطرف والغلو الذين لاتنقصهم التغطية الإعلامية لأنشطتهم والمنابر القادرة على توصيل خطابهم وربما لاينقصهم الدعم المادي والمعنوي من هذا الطرف أوذك في لعبة المحاور الإقليمية والدولية الدائرة في المنطقة
الأسباب الاجتماعية :
أولا : الارتفاع الكبيرلأعداد الشباب فالمجتمعات العربية مجتمعات شابة مما عرضها لتغيرات اجتماعية كبيرة فمرحلة الشباب هي مرحلة تمرد وخروج على المألوف وتشوف لإثبات الذات ومع الواقع التعليمي والتربوي السيئ وفي ظل انتشار الأمية والبطالة والفقر والدعاية "الدينية" المحمومة التي يمارسها المتطرفون مع الغياب شبه التام لبرامج حكومية مضادة يصبح من الطبيعي أن تنضم كل يوم أفواج من الشباب المحبط إلى صفوف الإرهاب والتطرف ليجدوا فيه ذواتهم وليشبعوا نهمهم للخروج عن المألوف فمع المتطرفين يتعلم الشباب أن كل ماعليه المجتع جاهلية وكفر كما يجدون الفرصة لممارسة الخطف والقتل والتنكيل والمغامرة بالمعنى الكامل للكلمة فمجرد الإحساس بأن العالم كله ضد هذه الجماعة يشكل عامل جذب لأعداد متزايدة من الشباب المتهور
وعند المتطرفين فتاوي قطعية بأن من مات على هذا المبدإ دخل الجنة وفاز بالحور العين وأن من استعمل المخدرات أوباعها أوباع الآثار ليستعين بذلك على عمله الجهادي فله ذلك ويحصل له الثواب في الدارين كما أن للمجاهد أن يمارس نكاح المتعة وجهاد المناكحة.
وهكذا يضع المتطرفون في هذه المنافسة المحمومة الجنة والمتعة والقوة والتمرد في جيوب الشباب الذين لايجدون من دولهم غير فساد الحكام وانعدام الحرية وانتشار الفقر والبطالة . 
ثانيا :تآكل الطبقة الوسطى نتيجة للظروف الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها أغلب البلدان العربية فهذه الطبقة تعتبر الحاضنة الرئيسية لمبادئ المجتمع ومثله وقيم الوسطية ويعبر اتساعها عن مستوى الرفاه العام الذي ينعكس إيجابا في انتقال أعداد متزايدة من الفقراء إلى هذه الطبقة فهي تتوسع على حساب الطبقات الفقيرة مما يعزز الشعور العام بالرضى والمطالبة المعتدلة بالإصلاح.
إن تآكل هذه الطبقة الوسطى يعني حصول احتكاك مباشر بين الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة حيث تكون المطالب الاجتماعية أكثر حدة إذ تنموا بين صفوف الفقراء وهم الغالبية العظمى مشاعر معادية للأغنياء وهم القلة المستحوذة على خيرات بلداننا في ظروف غير شفافة في الغالب ومن البديهي أن يؤدي هذ الوضع إلى تزايد مظاهر الاستقطاب والتوتر الاجتماعي وقد يدفع الشعور بالظلم والتهيش الفئات المحرومة من عائد الثروة القومية إلى الاندفاع إلى أحضان أي عمل أودعوة أوتمرد أوفوضى قد تنال من استئثار الآخرين بخيرات البلد وهذه هي الأرضية الخصبة لرواج الأفكار المتطرفة لاسيما ما كان منها ذو طابع ديني .
الأسباب الاقتصادية :
أولا : التضخم وانتشار الفقر والبطالة بين صفوف الشباب نتيجة لفشل برامج التنمية فبلداننا للأسف الكبير تبنت وصفة البنك الدولي مما اضطرها إلى تحرير الأسعار وتخفيض قيمة العملة المحلية مع ثبات القيمة الإسمية للرواتب وتمت إعادة هيكلة الاقتصاد بحيث تراجع دور القطاع العام لصالح القطاع الخاص فرفع الدعم عن السلع والخدمات الأساسية وأفلس الكثير من مؤسسات القطاع العام أوتم تفليسها لتباع للقطاع الخاص وصاحبت ذلك عمليات تسريح جماعي للعمال في وقت توقفت فيه الدولة عن التوسع في عمليات الاكتتاب نتيجة لتراجع دورها الاقتصادي وإنفاقها العام وتراجع دور القطاع الريفي وارتفعت الأسعار بشكل جنوني ونزحت أعداد غفيرة من سكان الريف نحو المدن مشكلة أحياء صفيح يعاني سكانها الفقر والقهر وتنتشر بينهم المخدرات والجريمة والشعور بالغبن والرغبة في اقتلاع النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي من جذوره وهذه الظروف بالجملة تخدم وتسهل مهمة المتطرفين وتمدهم بإمكانية لا حدود لها للاستفادة من خزان بشري هائل.
ثانيا :انتشار الفساد بجميع أنواعه في جميع مناح الحياة مما فاقم مشكلة الفقر والبطالة وزاد من مشاعر النقمة فالقطاعات العريضة من الجماهير تشاهد عمليات نهب غير مسبوقة للثروات الوطنية في بلدانها من طرف شركات أجنبية تحالفت مع بورجوازية داخلية طفيلية تسلقت سلم البنية الاقتصادية والاجتماعية في ظرف وملابسات غامضة من خلال العمولات والرشاوي وعمليات السمسرة والمضاربة والمحسوبية وعمليات غسيل الأموال وغير ذلك من الأساليب الملتوية التي تسود في أوطننا لتصبح قانونا وعرفا في ظل غياب القانون والأعراف الديمقراطية الراسخة والقيم الحضارية والاجتماعية بمرجعيتها الدينية والأخلاقية  .
إن ارتباط المنظومة الأخلاقية عندنا بالتعاليم الدينية التي تجرم الفساد والسرقة وتعلي قيم النزاهة والإخلاص تعطي لمن يحملون الشعارات الدينية ميزة في هذاالصدد بما في ذلك الجماعات لمتطرفة التي تعد البسطاء بالصرامة في تطبيق الشريعة التي تحرم هذه المفاسد ومع أن هذا فإن غالبية المواطنين البسطاء سيختارون لوخيروا أن تنهب أموالهم باسم الدين وتحت شعاراته بدل أن ينهبها لصوص المال العام والحكومات الفاسدة المفسدة وتلك بلية أخرى لابد من الاعتراف بها .
الأسباب السياسية :
أولا : التسلط وغياب الديمقراطية فبلداننا العربية والإسلامية تتشابه في هذه الخاصية على الرغم من اختلاف أنظمة الحكم فيها من الناحية الشكلية فهي في معظمها أنظمة قمعية تسلطية حتى وإن أقام بعضها مظاهر ديمقراطية صورية لاتسمح في الغالب بالتناوب ولا تجعل "اللعبة" الديمقراطية كما نسميها في أدبياتنا السياسية تخرج عن السيطرة فالمواطنون عموما لايملكون حق المشاركة في القرارات التي تمس حياتهم بشكل مباشر في التعليم والصحة والاقتصاد أما القضاء فهو راعي الفرمانات السلطانية وليس حامي الشرعية والقانون والقانون نفسه فصل على مقاس الإدارة التي تمثل بيت الداء وقلعة الفساد المنيعة هذا فضلا عن تغول أجهزة الأمن والمخابرات بصناديقها المالية السوداء وصلاحياتها غير المحدودة وسيطرتها المطلقة على مقاليد الأمور وأساليبها الارهابية التي حولت أوطاننا إلى سجون كبيرة تتمتع بمدارس تعذيب مميزة تفوقت على غيرها فنسجت حولها مخيلات الشعوب النكت والأساطير
إن هذه السمات العامة المشتركة بين بلداننا أدت إلى قابلية ونفاذية مطلقة لأطوحات التطرف الديني في هذه المجتمعات المغلوبة على أمرها والمحكومة بالحديد والنار من طرف أجهزة التنكيل الأمني التي تزرع بأساليبها المتطرفة تطرفا آخر يصنفها أجهزة قمع كافرة تحمي أنظمة حكم فاجرة وفاسدة وهذا ما يفسر حرص التنظيمات الدينية المتطرفة على استهداف أفراد الأمن والإدارة وأركان الحكم الذين يمارسون إرهابا أسوأ من إرهاب المتطرفين الدينيين ويؤدي إليه.
ثانيا : عوامل سياسية خارجية تتمثل في تآمر دول الغرب وتماهيها مع هذه الأنظمة الفاسدة وحمايتها لها متى حققت لها مصالحها ولو على حساب مبادئ الديمقراطية والمشاركة الشعبية التي يتشدق بها الغرب فضلا عن نفاق الغرب الثقافي والسياسي فالغرب يطالب شعوب المنطقة بترسيخ قيم العلمانية ومع ذلك يؤسس ويحمي إسرائيل التي أنشأها بناء على أسطورة دينية تتحدث عن أرض الميعاد وماتزال الدول الغربية تحابي إسرائيل وتسلحها وهي التي تحتل وتضم أراضي البلدان المجاورة وترفض الامتثال للقررات الدولية دون أن تخشى ردة فعل المجتمع الدولي مما دفع بأعداد متزايدة من العرب والمسلمين إلى ضرب عرض الحائط بمبادئ القانون الدولي وبالشعارات الغربية التي تدعوا إلى العلمانية والديمقرطية وحقوق الإنسان بل على عكس ذلك فإن الجماهير تشعر بالمرارة تجاه الغرب ومبادئه التي تسقط عند أول ذرة مصلحة. 
إن هذا السلوك الغربي أعطى دفعة قوية للتطرف الديني وسبب في بعض الأحيان تعاطفا واسعا مع أعماله الإرهابية في الدول الغربية تلك الأعمال التي ينظر إليها البعض بوصفها أعمالا انتقامية من الغرب الذي حطم العراق واحتله ووفر الذرائع والدوافع للمتطرفين وعجز عن فهم شعوب المنطقة التي استعمرها فترات طويلة وصار بعد ذلك حليفا لأعدائها في الداخل والخارج معا.

الخلاصة
إن التطرف كما أفهمه وكما أراه هو حالة مرضية وعقدة نفسية تنتجها المجتمعات المأزومة سببها العجز عن "تحيين" المفاهيم الفقهية والقيمية والمحاولة الحمقاء لوقف حركة التاريخ والنفور من الآخر المتآمر دائما والخشونة في معاملته وسوء الظن به والتقليل من شأن إنجازاته وتعظيم أخطائه والشعور الكاذب بالتفوق عليه والميل إلى الإنغلاق والإنزواء والهروب من الواقع السييء إلى واقع افتراضي أسوأ لاينال إلا بالقتل والخطف والتدمير والإدعاء الكاذب بالعودة إلى منابع الدين مع ملاحظة أن الدين عند نبعه كان ومازال ينشر الأمل ويخرج الناس من الظلمات إلى النور ويريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر أما دين المتطرفين فكله أحقاد وتأثيم وظلام لانور فيه وعسر ما بعده من يسر.