يلاحظ المتتبع للساحة الفنية بموريتانيا بروز نشاط فني متزايد ذا طابع سياسي تجسد في مجموعة من الأغاني المعارضة لتعديل الدستور وأخرى ممجدة له
هذا الوضع الذي لم يكن مألوفا من قبل على الأقل بهذا الحجم يعود في الأساس إلى الجدل القائم بشأن مشروع تعديلات دستورية تقدمت بها الحكومة الموريتانية لإدخال تحسينات على العلم والنشيد وإنشاء مجالس جهوية كنوع من اللامركزية هدفها تنموي كما تقول
غير أن وجود أحزاب سياسية رافضة للتعديلات الدستورية لم تشارك في الحوار الذي تمخضت منه التعديلات وتعتبر مخرجاته المعروضة للتعديل لا تحظي بإجماع وطني زاد حدة الجدل والاستقطاب، استقطاب استخدمت فيه كل الوسائل، ولم يكن الفن بمنئ عنه بل كان إحدى مميزاته اللافتة في تمازج فريد للفن مع السياسة في موريتانيا.
الأغنية السياسية وسيلة حضارية
ويقول الإعلامي والشاعر الدكتور الشيخ ولد سيدي عبد الله إن “الأغنية السياسية وسيلة تعبير ديمقراطية وحضارية، ولقد اشتهرت عبر التاريخ عدة أغان سياسية، ساهمت في صنع ثورات وانتصار حركات وتيارات”.
مشيرا في تدوينة نشرها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أن “في موريتانيا انتبهت حركة الكادحين مبكرا لدور الأغنية السياسية والقصيدة الشعرية في إيصال الأفكار واستقطاب الأنصار”،مضيفا أن “نظام الجمهورية الأولى وظف الأغنية في سبيل التوعية والتوثيق …. فكانت ( مدو ليدين للكادحين) و ديوان ( سطور حمراء) .. و ( يا الناس شوفو عملتنا) و (يا موريتان اعليك امبارك لستقلال) و (لابارتايد) … وغيرهم..”.
موسم التلاقي
مراقبون يرون أن الفن والسياسة في موريتانيا لا يلتقيان عادة كلقائهما في الفترات الانتخابية، عندما يتم استغلال الفن للدعاية الانتخابية، مما يجعله شيئا معهودا لدى الموريتانين في مواسم الاستحقاقات الانتخابية ولا يدعو للفت النظر كما يلفتها المنعطف الجديد.
لطال ما لاحظ بعض من المثقفين الموريتانيين على طبقة الفنانين أو “إكاون” ابتعادهم عن الشأن العام والتفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل واعتبرهم البعض جزء من المنظومة التقليدية، باستثناءات قليلة، غير أن الكل يتفاجئ حاليا بهذا الاهتمام بشأن العام وتوجيه رسالة الفن صوب السياسة، ومن فجائية الظاهرة وتزايدها ووقتها يطرح المتتبع للشأن عديد أسئلة ذات أبعاد عدة سياسية وثقافية واجتماعية عن الأسباب والدوافع وغيرها.
فن معارض في المهجر
كانت فرقة أولاد لبلاد لموسيقى الراب المشهورة محليا أول الفنانين الموريتانيين المخترعين للأغنية العابرة لحدود، والقادمة من المهجر، إلى جانب توجهات المعارضة، وذلك عندما لجئ أعضاءها إلى السنغال بعد اتهام أحد أعضاءها بالاغتصاب لتصدر أغنية تهاجم فيه الرئيس الحالي وتصف السلطة الحاكمة بالعصابة ووجدت أغانيها صدى واسعا، توج بالاتصال برجل الأعمال المعارض والمقيم في المغرب محمد ولد بوعماتو وباتت تصدر بين الفينة والأخرى أغان معارضة.
تكاد تخلو مبادرة داعمة لتعديل الدستور من أغنية أو نشيد تصدح فيه فنانة أو فنان بكلمات شعرية مطالبة بتعديل الدستور كتبها شاعر ولحنتها فرقة موسيقية من الفنانين الموريتانيين.
في المضامين تبدو الأغاني متباينة تباين مواقف الطيف السياسي فكما تبالغ لكليبات المعارضة للتعديل على إظهار مساوئ النظام وتسليط الضوء على الظروف المعيشية وإظهار الجانب السلبي للتعديلات، والجدل القانوني الذي تطرحه، تحرص كل مبادرة داعمة للتعديلات الدستورية على إنجاز نشيد محشو بالعبارات الممجدة للنظام القائم والعارضة لإنجازاته وتم حتى الآن إنجاز عديد الأناشيد من أغلبهم للفنانة أبتي منت أنكذي أو فنانة “عزيز” كما يحب البعض أن يسميها.
على الجانب الآخر سارت قافلة فنانين درب أولاد لبلاد داخل البلاد وخارجها فأنتجت عدد من الأغاني والكليبات لمناهضة لتعديل الدستور.
“حكم ضميرك” للفنان الشيخ ولد يب هي إحدى الأغاني الرافضة لتعديل الدستور وتحث البرلمانيين على تحكيم الضمير وقت تناول موضوع التعديلات الدستور وتدعوهم إلى رفض تغيير العلم والنشيد، لكنها ليست الوحيدة فقد أنتجت صيحفة تقدمي الألكترونية المعارضة فيديو كليب بعنوان “نشيدي نختيرو..” بالتعاون مع مجموعة من الفنانيين الموريتانيين.
على مائدة المهرجانات
كما شهد مهرجان نظمه منتدى المعارضة حضورا فنيا لافتا حيث غنى كلا من الفنان الشيخ ولد آبه وفؤادي ولد همد فال بأغان معارضة لتغيير الدستور الموريتاني ورافضة له.
وتتحدث مصادر عن أغنية جديدة لعضو الحزب الحاكم ومجلس الشيوخ وفنانة التكتل سابقا المعلومة منت الميداح لأغنية جديدة لم تخرج بعدُ للشارع الذي بات يستهلك بنهم تلك الأغاني السياسية على اختلاف مشاربها وتوجهاتها.
هذا الحراك الفني السياسي وجد من يحكم عليه إما بالسلبية أو الإيجابية من المتخصصين مع الإشارة إلى أن بعض المصادر تتحدث عن جهات تقف وراء سلسلة الأغاني المناهضة لتعديل الدستور ما يعني أنها لا تعد صحوة فنية خالصة وإنما قد تكون بسبب دافع تمويلي ذو توجهات سياسية.
فهل تكون الطفرة في الموسيقى السياسية ذات القطبية المتنوعة بداية حقيقية لمشاركة الفن برسالته في الشأن العام بدل الاقتصار على الأغاني الوطنية في مناسبات تخليد الاستقلال والمناسبات الفلكلورية.