غامبيا وإفريقيا... الدروس والعبر....

لقد شكلت الأزمة الغامبية مدخلا لبروز الدور الإفريقي على الساحة الدولية... من خلال مجموعة من القرارات كان من أهمها.

1- أن الدول الإفريقية قررت ان تتجه إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار دولي بخصوص الأزمة..

2- أن الدول الإفريقية بيتت ومنذ اللحظة الأولى التدخل العسكري في الأزمة..

3- أن الدول الإفريقية قررت إيفاد مبعوثين إلى غامبيا لحل الأزمة..

وسنناقش باختصار تداعيات تلك الأزمة على إفريقيا وبشكل مختصر من خلال تلك القرارات الثلاث ومدى انعكاسها بشكل إيجابي على الديمقراطية في القارة الإفريقية...

ليس خافيا على الكثيرين بأن أكثر القارات التي يعشعش فيها الفساد والأمراض بسبب انتفاء الحكم الرشيد هي في القارة الإفريقية وأن مدار كل ذلك هو الأنظمة غير الديمقراطية التى تحكم غالبية القارة بالسيف والدم..

ولذلك فإن أي ذيمقراطية تنشأ هنا وهناك هي استثناء جميل في القارة يذكر ويشكر وإن كان غالبا مايتم وأد ذلك الاستثناء في مهده كما شهدنا في مجموعة من الدول كموريتانيا ومصر وليبيريا... الخ..

إلا أن ذلك لايمنع أن تتم محاولات من شعوب القارة في التخلص من تلك الأنطمة الدكتاتورية تارة هنا وتارة هناك وهو ماحدث في دولة غامبيا... ولكن وكعهد الطغاة في القارة حاول الرئيس يحي جامي التملص من نتائج تلك الإنتخابات التي جاءت على عكس هواه ورفض الاعتراف بنتائجها التي عكست فوز المرشح المعارض آدم بارو بعد ان كان قد اعترف بها أولا...

وهو مادفع الدول الإفريقية لاتخاذ القرارات الثلاثة آنفة الذكر..

لكن يلاحظ أنه ولأول مرة يتم اتخاذ تلك القرارات بشكل عكسي حيث أن التهديد بالقوة سبق التدخل السلمي من خلال مفاوضة الرئيس بشكل جدي عن طريق رؤساء كالذي حدث في نهاية الأزمة.. حيث اكتفى الأفارقة في بداية الأزمة بإرسال مبعوثين عاديين... ربما لم يرق لجامي ذلك وقد يكون عده استهتارا بموقعه كرئيس.. فلماذا تم اتخاذ تلك القرارات بشكل عكسي ؟ وماهي النتائج المرجوة من ذلك ؟ وهل سيكون لها دور إيجابي في المسلسل الديمقراطي بالقارة؟.

باختصار...

1- إن توجه الدول الإفريقية لاستصدار قرار أممي اولا يعود لسببين رئيسيين..

اولهما..  أن السنغال عضو في مجلس الأمن الدولي وهي الدولة المعنية أولا بالأزمة..

ثانيهما.. ان غامبيا دولة صغيرة تحيط بها السنغال من كل جانب... وبالتالي فإن التدخل بها لن يشكل مشكلة كبيرة للعالم سواء من حيث الضحايا أو اللاجئين... كما أنها أيضا ليست ذا أهمية عند الدول الكبرى التي عادة ماتقدم مصالحها عند مناقشة هكذا تدخل.. ولذلك كان تدخل كلا من الرئيسين الموريتاني محمد ولد عبد العزيز والكوناكري الفا كونتي هو تتمة لتلك الجهود للخروج بأقل الخسائر..

2- عند اتخاذ مجلس الأمن لقراره فإنه أراد بذلك نتيجة واحدة وهي ان يتم تسليم الحكم للرئيس المنتخب..  لكن هل هي نفس انتيجة التي تبحث عنها السنغال..  بالطبع لا.. فغامبيا هي كماهو معروف محاطة بالسنغال من جهات ثلاث وبالتالي فهي تعد موقعا استراتيجيا لها وخاصرة يحب تأمينها حتى لاتكون سببا في توتير أزمات لها خاصة ان السنغال تعاني من نزعة انفصالية عند أحد أقاليمها وهو إقليم كازمانص.. كما ان لها دين مع يحي جامي تريد أن تستوفيه منه وهو الذي سبب لتعاملاتها الاقتصادية معها الكثير من العراقيل.. ولذلك كانت مصرة على التدخل ومسك الأمور بيدها وهو ماحدث لاحقا حتى بعد موافقة جامي على التنازل عن السلطة..

3- بما انه تم لمجلس الأمن وللسنغال ماأرادا فهل سيكون لهذا التدخل نتائج إيجابية علي القارة من خلال توطئة لانتشار الديمقراطية في القارة والتي هي حلم.كل إفريقي..

الجواب لا.. لأن بقية الدول ليست بمساحة غامبيا الصغيرة ولا بقلة جنودها... ولذلك فإن كل التدخلات التي قامت بها إفريقيا لوحدها كانت في المناطق الهشة كتدخل كينيا في الصومال... ومع ذلك لم تستطع أن يستتب لها الأمن فيها...

ولذلك فليس بوسع الدول الإفريقية التدخل في اي انتكاسة أخرى للديمقراطية في اي مكان إفريقي آخر لاسياسيا ولاقتصاديا لأنها عاجزة وقد رأينا أنه في ساحل العاج عندما وقعت نفس الأزمة من قام بالتدخل هي فرنسا... وإن كان ليس حبا في الديمقراطية وإنما لأن باغبو حينها كان قد اغاظ تلك الدول الكبرى بمجموعة من القرارات كان أهمها انتزاع مزارع البيض ومنحها للسكان الأصليين... وعلى المعارضة في موريتانيا ان لاتفكر باستنساخ تجربة غامبيا في التوحد على مرشح واحد.  فقد ضيعوا فرصة أن يكونو المبادرين بتلك الفكرة عندما تخلى مسعود ولد بلخير عن مساندة احمد ولد داداه في انتخاباته ضد سيدي ولد عبد الله.. لأن المشكلة الآن في موريتانيا ليست الأصوات وإنما تحالفات الوجهاء وتلك غالبا لاتكون إلا مع النظام..  وما مادام العالم المتقدم خاصة الدول العظمى في مجلس الأمن تتعامل مع إفريقيا بلغة المصالح فإنه لانور في الأفق إلا من خلال اقتناع العسكر في إفريقيا بأنه لصالح أجيال المستقبل والذين من ضمنهم أبناءهم ان يبتعدوا عن ممارسة السياسة ويتفرغوا للمهنة النبيلة الموكلة إليهم وهي حماية الوطن..

د.الشيخ محمد المختار بتار الطلبه