البطالة في موريتانيا.. كابوس ينهك الشباب ويرهق الدولة / عبد الله محمدو

أدت مضاعفة فرص التكوين وتنامي معدلات التحضر إلى تخريج جيل موريتاني عاطل عن العمل تتزايد أعداده باستمرار وتتفاقم أوضاعه، وأدت وتيرة الإصلاحات الهيكلية التي أقدمت عليها موريتانيا خلال  العشرية الأخيرة من القرن الماضي وما رافقها من شروط مجحفة إلى تأزيم الوضع فالدولة أرغمت 

على التخلي على عجل عن قطاعات اجتماعية مهمة كالصحة والتعليم والتأمين والخدمات الأساسية التي حولت في إطار ليبرالية متوحشة إلى قطاع خاص لا يحمل أي فكر إصلاحي ولا يهمه إلا تحقيق الأرباح والحصول على تسهيلات من الدولة دون مقابل يذكر. والكل يتذكر مصير عمالة المؤسسات التي حولت إلى القطاع الخاص والكل يتابع ويلاحظ امتصاص التعليم الحر لطاقات التعليم العمومي وامتصاص المصحات والصيدليات والمقاولات الصحية لكل طاقات القطاع الصحي العام وإفراغها له من كل مقومات التطور. فالقطاع الخاص المستحدث ظل عالة على القطاع العام وظل يستنزفه إلى آخر رمق. وفي كل مراحل هذا المسار المؤلم تمت التضحية بعشرات آلاف العمال وسدت أبواب الإكتتاب أمام أفواج متزايدة من الخريجين، وظلت أعدادهم تتكاثر باستمرار وأدى هذا
الوضع إلى هجرة أصحاب الكفاءات الذين أنفقت الدولة مبالغ باهظة على تكوينهم أدى إلى تهجيرهم إلى الخارج بحثا عن عمل، كما أدى إلى تعطيل آخرين في الداخل ظلوا خارج دائرة الإنتاج.. وشهدت البلاد طفرة فوضوية هائلة تمثلت في انتشار العمل غير المصنف الذي لا يؤمن حياة كريمة لأصحابه ولا يلبي حاجات مجتمع ظل يعتمد على العمالة الأجنبية في تدبير أخص خصوصيات عيشه.
البطلة في موريتانيا 2016
في تقرير أصدره البنك الدولي الاثنين 15 فبراير 2016 عن نسبة البطالة في صفوف الرجال حول العالم، حيث سجلت موريتانيا نسبة بطالة قدرها البنك بحوالي 31,5 في المائة.
وأوضح التقرير المنشور على الموقع الإلكتروني للبنك الدولي أن النسبة المسجلة في موريتانيا هي الأعلى من بين البلدان التي شملها التقرير.
وقال البنك الدولي في تقريره إن "البطالة تشير إلى نسبة أفراد القوى العاملة الذين ليس لديهم عمل ولكنهم متاحين للعمل ويبحثون عن الوظائف"، مشيراً إلى أن "تعريف القوى العاملة والبطالة يختلف تبعاً للبلد".
وحل في ذيل الترتيب العالمي بالإضافة إلى موريتانيا كلاً من مقدونيا (27,7)، البوسنة والهرسك (26,7)، الضفة الغربية وقطاع غزة (26,7)، ثم اليونان (22,6).
واعتمد البنك في تقريره على المعلومات التي تم مسحها خلال العام 2014.
وأوضح التقرير أن النسبة في السنغال تصل إلى 7,5 في المائة، بينما في الجزائر وصلت إلى 8 في المائة، وفي المغرب وصلت إلى 9,9 في المائة، وفي مالي 6,2 في المائة.
البطالة: أرقام مخيفة
تقدر مصادر عليمة عدد الخريجين العاطلين عن العمل هذه الأيام بعشرة آلاف شاب وشابة تضاف إليهم عشرة آلاف أخرى دخلت ميادين العمل بصورة هشة تتعرض مجموعات متزايدة منهم للتسريح من حين لآخر. وتتضح الصورة عندما ندرك حجم الطلب على العمل، فموريتانيا بلد شاب تبلغ نسبة سكانه الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة حوالي 70% من مجموع السكان، وهو ما يوفر طلبا على العمل في حدود مليون طالب قادر على العمل لا توظف الدولة والقطاع الخاص المصنف وغير المصنف منهم إلا 105000 منهم والباقي هم عاطلون استفادت 60 ألف شخص منهم من شكل من أشكال التكوين في التخصصات المختلفة، وتمثل البقية أعدادا متزايدة من الشبان والشابات غير المؤهلين الذين تسرب بعضهم من مراحل التعليم المختلفة بينما جاء البعض الآخر من الأرياف مباشرة بحثا عن مصدر عيش.
جهود الحكومة: قطرة في بحر
محاولات الحكومة المعلنة وغير المعلنة القاضية بتوجيه 2000 شاب نحو معاهد التكوين المهني المتوسطة وإقدامها من حين للآخر على اكتتابات في أفرع القوات المسلحة وقوات الأمن، وتنظيم مناظرات شديدة الانتقائية لإكتتاب أعداد متناقصة من أصحاب التخصصات المرغوبة، كل هذه الجهود مبعثرة لم تترجم في سياسة وطنية للتشغيل لذلك ظل مجهود الحكومة هذا قطرة في بحر البطالة الهائج الذي ترفده جامعة انواكشوط وغيرها من مؤسسات التكوين سنويا بأزيد من 6000 خريج باحث عن العمل ولا تستند إجراءات الحكومة المحدودة على أية خطة واضحة المعالم لمكافحة البطالة، بل تظل مواجهتها أكبر إخفاقات حكومتي ولد حدمين وقبله ولد محمد الأغظف.
البطالة بركان ثائر لا محالة يؤدي تضاعف عدد العاطلين وتراكم الإخفاقات الإقتصادية والاجتماعية وتردي أوضاع معيشة قطاعات واسعة من الموريتانيين والموريتانيات إلى انسداد أفق خطير أمام قوة عمل هائلة تزداد باستمرار ويعطل طاقات البلاد ويقودها إلى هزات اجتماعية مضرة بالسلم الاجتماعي ومضرة بالاستقرار. ولا يساعد تكالب العمال الوافدين على سوق العمل في تهدئة الأوضاع، بل إن ضعف التشريعات الحمائية، وأنانية أرباب العمل وجنوحهم لتوظيف الأجانب هي عوامل تأزم أخرى تضاعف إلى واقع متأزم أصلا، وأمام هذه الأوضاع القاسية تواصل الحكومة سياسة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال عندما يداهمها الخطر، بل إن الحكومة تمارس الهروب إلى الأمام وتركز جهودها في قطاعات كتعبيد الطرق وترقيعها واقتناء لوازم صحية باهظة الكلفة وهي أمور مهمة، إلا أنها تأتي في ترتيب الأولويات بعد حل مشكل البطالة. ويبدو أن الوكالات المختصة التي يتم إنشاؤها من حين لآخر لمواجهة البطالة ما تلبث أن تندثر لأنه لا توجد استيراتجية وطنية واضحة المعالم لتوفير عمل لائق للباحثين عن عمل، فتوفر تلك الإستيراتيجية يتطلب تجاوز الإصطفافات السياسية العقيمة وتنظيم منتديات تخرج بخطة محكمة تضمن خلق فرص عمل لعشرة آلاف شخص كل سنة على مدى السنوات الخمس القادمة مع إجراءات مصاحبة في الدمج والتكوين وتحسين الخبرة. وفي إلزامية التشغيل بالنسبة للقطاع الخاص لتفعيل دوره في حل مشكل البطالة. ومن شأن التحرك في هذا الاتجاه أن يساعد على نزع فتيل قنبلة البطالة الموقوتة التي تتزايد مؤشرات انفجارها كل حين.