نقاش داخل سيارة أجرة

لمسافة الفاصلة بين مقر مفوضية الشرطة رقم (١) بتيارت وتجمع بيع الهواتف (نقطة ساخنة) كانت كفيلة بالخوض في جملة من القضايا والمواضيع الوطنية الهامة والمختلفة والمتباينة؛

 

لم أكن في السابق أحبذ دخول النقاش في الأماكن والوسائل العامة؛ لأن فوضوية النقاش وعدم الاستناد إلى أدلة وبراهين هي السمات الأبرز التي يتشارك فيها كثير من المستعذِبين لهذا النوع من النقاش؛ بالرغم من ذلك دخلته مكرها لا بطل؛

 

بعد اكتمال صعود الركاب الذين حجزوا المقاعد كاملة وبعد تجاوز أمتار قليلة من مكان الانطلاق؛ تحدث شاب يجلس خلف السائق مباشرة مقدما نفسه على أنه (مدون) وأنه كتب ودون عن قضايا وطنية في مجالات مختلفة، وركز مداخلته على نقد قطاع *العدالة* وبدأ تقييمه بنفي وجود العدالة أصلا وفصلا ،جملة وتفصيلا؛ متخذا من قضية المرحوم ^زيني^ مثالا، لا لفهمه لخيوط القضية ولا لقناعته بحكاية الدفاع وبطلان الرواية عنده، أو العكس، بل لأنه كما قدّم في ملاحظةٍ كشفت لنا عن مستواه وحدود تفكيره أن شغله الشاغل في القضية ليس تفاصيل الحيثيات واتجاه الأدلة، وإنما في أن رجال الأمن كما بقول والشهود وإمام المسجد وكل من تم استجوابه في القضية -الكلام له دائما- لا عبرة في كلامه ولا اهتمام بما فيه (لا يعدل ولا يميل) في هذه القضية وإنما كلمة الفصل فيها لذلك *النصراني* (النجس) -حسب تعبير المتحدث- يقصد طبعا خبير التشريح الفرنسي!، حاولت أن أبذل جهدا مع الرجل؛ كي يفهم ويستوعب الأدوار والتخصصات التي يغيب عنه الفرق بينها كما هو واضح من كلامه؛ مبينا له أن حدود هؤلاء وشهاداتهم في أي قضية تبقى لها حدود ومستويات وطبيعة ومجال، ويخرج منها طبعا ما يتعلق بمجال *التشريح* الذي أنتدب له ^الفرنسي^ والذي يقف مجاله هو الأخر وتنتهي حدوده عنده، وتعرفون أن التشريح مرحلة جد متقدمة ونهائية في التحقيقات وجمع المعلومات الأخيرة.. لم يستوعب الرجل ولم يفهم مصرا في كل جملة يقولها أن ^الفرنسي^ كما يحب أن ينطق هو (قانوني) وليس خبير تشريح ولا طبيب!؟ حينها فهمت معنى أن أكون(مدونا) عند بعضهم حين ما يملأ بها فمه ويصك بها آذان الآخرين وأدركت أن العامي الذي تحكى له حكاية -ما- سيكون فهمه واستيعابه لتلك القضية متأثرا جدا بطبيعة الحاكي وما يروج له فيها! ؛ ومع أني لا أدرك تفاصيل قضية المرحوم زيني وأتحفظ على جوانبها جميعا وأنا على يقين أن تفاصيلها الدقيقة وحقائقها الموثوقة لا يدركها تمام الإدراك إلا القضاء بغض النظر عن طبيعة وطريقة تجاوبه معها؛ وبالتالي أعتزل الخوض في كنهها دون بينة.

 

في المقعد الأمامي -بجواري بالضبط- (نجلس على مقعد واحد!!) كان أحدهم يجلس، يظهر من كلامه مدى تأثره ببعض الثقافات الأخرى.. تحسبه للوهلة الأولى سوداني الجنسية من الملامح وطريقة النطق، لكنه في واقع الأمر ماهو إلا موريتاني أفنى زمنا هناك وأكثر من ذلك في *ليبيا* ، بدا الرجل متشائما كما غيره من المفتونين استلابا بغيرهم، وبدأ بتقديم فرضيات من إنتاجه لايمكن أن تتلاقى إلا في فضاء الله الرحب .. قراءته لبعض الأمور المتعلقة بالعدالة وجزمه وإطلاقه للأحكام جزافا؛ كشف عن مستوى تعلمه وإدراكه، بالإضافة إلى نطقه للكلمات الذي يحتاج هو الأخر إلى نطق لاستنطاق مقصوده!، ومع ذلك يصر على أكادميته وعلى تجرِبته المستقاة من الحياة في الخارج.. ومن بين ماقال اختصارا : ان الدولة ليست دولة والشعب متخلف والأمن مفقود والعدالة كذلك والشوارع ليست جيدة والمرافق و المواطن يعيش في جحيم.. نحن في شؤم ولؤم وتردي ونحن في الحرمان استثناء!!؟.. أردت اختصار الطريق والكلام، سألته، ولأن دفاعه و اندفاعه غطاؤه الظاهر عروبي؛ هل حالنا الآن وأعني *الآن* أفضل أم سوريا؟ سكت! ، قلت: أو ليبيا!؟، حاول أن يستعيد شيئا من ذكريات الماضي قلت: لا، نحن نتحدث عن الوضع الآن ولسنا في مقام البكاء على الأطلال والتغني على الأزقاق والقينات؛ نظرت إلى فإذا به قد بهت..

 

الحرب أنهكت الأمة؛ حال اليمن لا يعجبنا وسوريا أبعد حال ليبيا كذلك والعراق، حتى مصر التي استرجعت حالة أمنها نسبيا بغض النظر طبيعة وأشخاص الحكم؛ دفعت في سبيل ذلك فاتورة بشرية ارتوت من خلالها الأرض من دماء أبنائها الذين كانوا يسقونها ماءً فتبدلهم به زرعا؛ أما وقد سقوها دما فالحصاد جمرا ونار!؟.

 

نحن لا نريد أن ننجر إلى دفع فاتورة كما دُفع بالآخرين ولا إلى فلتانٍ أمني به تستباح أموالنا وأعراضنا؛ يدفعنا إلى ذلك حب الدولة وليست السلطة الحاكمة هي الدافع، وقبل ذلك كله لنا أمهات وأخوات لا نريد للأمن أن ينفلت مهما كانت الوسائل والغايات والمرامي والأهداف، ببساطة لأن شرفهن وعرضهن وهدأة البال ستكون على نقيضها..

 

*الدول العربية يصعب عليها النهوض بفعل تحكم الطبيعة القبلية والتجاذبات المصاحبة والتفاعلات الناتجة عن ذلك*   

 

وعن الفساد الذي تدخّل أحدهم قائلا: إن البلاد أسيرة له، قلت: لو لم تكن محاربة الفساد جادة ومثمرة لما انكشفت حالاته المنكشفة الآن والتي كانت موجودة طيلة العقود الماضية؛ لكن لم تكن هناك -من قبل-  إرادة جادة في محاربته لوقوف القبيلة دون كل *سارق للمال العام* فيها، ولقد شهدنا في فترات ماضية من يستجْلَبون إلى المحاكم بفعل أكلهم للمال العام و بينما نحن ننتظر دخولهم السجن فإذا بهم يُطِلون علينا من كراسي الوزارات أو كبريات الإدارات!؟ ؛

 

كلنا يعرف أن خرجة *الوزير الأول*الأخيرة وكلامه المستفيض أمام الآمرين بالصرف عن أشكال الفساد المكتشفة بأسلوب وضع النقاط على الحروف؛ شكل مفاجأة كبيرة وسابقة مبهرة في طبيعة التعامل مع هذه *الآفة*  الخطيرة؛ مما يظهر بجلاء أن عهد التعتيم والتدليس والتحايل الآمن والسرقات المنظمة والمستباحة كل ذلك ولّى إلى غير رجعة، ومن البديهي أن يكون من أول نتائج ذلك الإيجابية؛ توفير مبالغ مالية كبيرة ووظائف كانت مستغلة بطريقة ازدواجية ظالمة للمعطلين والباحثين عن التوظيف ومنهِكة لجهد الدولة ومسببة لغبن الآخر وحرمانه!!

 

ختام هذا النقاش الذي يعد صورة مصغرة ومرآة عاكسة لما يحدث في الصالونات العامة والتجمعات الآسرية والانزواءات الخِلانية؛ كان مع الحوار الذي شكّك أحدهم في جدوائيته معللا أنه فقط مُشرِّعٌ للنهب وجاعل لهذه الحالة التي وصفها بالسوء تستمر؛ لكن الرد كان سريعا من الذي يليه بالضبط والذي خلُص إلى أن الحوار هو الحل الحضاري الناضج الذي به يتم تجاوز الأزمات وبه تصان الحقوق وتحفظ الحرمات وتذلل الصعاب وتُسلك الطرقات، وألتزمت الصمت لأن المُنْصِفَ من الإثنين كفاني المؤونة.

عثمان جدو